التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشاعر الملا احمد الجزري

الشاعر أحمد الجزري

الشاعر -الملّا احمد الجزري 
الملا أحمد بن الملا محمد البوطي الجزري ، من الشعراء الكرد المتصوفين والذين تركوا اثراً كبيراً في الأدب الكردي
يعود  نسبه إلى جزيرة بوطان ( بوتان ) أو جزيرة ابن عمر -كما تعرف في المصادر الإسلامية - . الشاعر الأشهر في تاريخ الأدب الكردي ، وشيخ الأدباء الكرد على الإطلاق ، ينتمي إلى العشيرة البوهتية ( البختية ) الشهيرة التي تقطن في مدينة الجزيرة منذ مئات السنين ، وقد وجدنا في أكثر من نسخة خطية الديوانه قول الناسخ في نسبه : الجزري الأنصاري ، الشيء الذي يدفعنا إلى القول بأنه ينتمي إلى الأسرة الأنصارية المعروفة في الجزيرة ، والتي ينتسب إليها بعض مشاهير علماء الجزيرة قديما وحديثا . تخلص في شعره بلقبين اثنين هما :
1- ( ملا ) أو ( ملی ) - بإمالة الألف - ويعني بها في اصطلاح الكرد : العالم الديني الذي نال الإجازة العلمية من المشايخ ، ويصلح أن يؤم الناس في المساجد ويلقن طلاب العلوم الدينية دروس اللغة والشريعة .
2_ ( نیشاني ) نسبة إلى ( نیشان ) التي تعني الهدف والعلامة أو الشامة ، وكأنه عد نفسه هدفا لسهام المحبة ، أو أنه ينسب نفسه إلى شامة في خد الحبيب .

عن تاريخ ولادته فقد أشار الجزري في قصيدة له إلى تاريخ ولادته ب ( حساب الجمل ) أو الحساب الأبجدي ) ، ولأن الجزري کان مشغوفا بحب التفنن والتلاعب بالألفاظ والعبارات مستخدمة ما يمكنه من فنون البلاغة من تورية ومجاز وكناية وغيرها ، فقد آثر أن يخوض عباب هذا اليم بتلك الرموز والألغاز المخفية ليجعل فكها  - حكرا على الخواص .. !

يقول الجزري في أولى قصائد دیوانه ما ترجمته بالعربية : " إني كمن رکب سفينة سارت بها الريح في ليلة مظلمة إلى وسط أمواج عاتية ، فأشرفت على الغرق بعدما انكسرت أشرعتها ، فأصبح يائسة لا أمل له إلا في تلك العاصفة الهوجاء التي ما هبت إلا لتضاعف عليه حلكة الليالي ، فأمسيت استكشف حروف الأشهر والسنين بطريقة التفاؤل المعروفة ، لعلي أطلع على مخبئات الأيام ، فلم يظهر لي من بين صور وأشكال الفأل إلا حروف هلاكي وتاريخ شقائي ، فكيف يعلم بحقيقة حالي من عاش  على الساحل في سلام ؟! ".ولو أردت أن تطلع على حروف هلاك الجزري حين وقوعه وسط أمواج بحر الحياة الهادرة ، فما عليك إلا أن تجمع حساب هذه الكلمات الواردة في النص الكردي من شعره : ( حرفا ۔ 289 ، ماه - 46 ، وسال - 97 ، ما - 41 ، شکل - 350 ، فال - 111 ، ما - 41 ) لتحصل حينئذعلى الرقم ( 975 ) وهو تاريخ ميلاده بالعام الهجري ، وهو يصادف . ( 1567_1568 و ) الميلاديتين .

وإن كان صحيحا ما يقال من أن الشاعر ( فقي طيران المكسي ) - وقد كان زميلا للجزري ، وله معه مساجلة شعرية - قد نظم مرثيته الشهيرة : ئیرو ورن .. ) في وفاة الجزري ، فسيكون تاریخ وفاته هو سنة 1050 هجرية  التي تصادف ( 1640 - 1641 م ) لأنها منظومة في تلك السنة كما يفهم من إحدى رباعياتها .. وهو ما تؤيده الروايات الشفوية التي تقول بأن الجزري عاش خمسة وسبعين سنة . لم يصلنا شيء من تفاصيل حياته وطريقة نشأته من المصادر التاريخية الموثوقة .. يقول الأستاذ محمد على عوني ( ۱۸۹۷ - ۱۹۵۲ م ) اعتمادا على المصادر الشفوية : إن الجزري دخل المساجد والمدارس ا الدينية وهو طفل لم يبلغ الحلم على عادة أطفال الكرد ، وبتوجيه من أبيه الذي كان عالما دینياً.. درس القرآن وبعض المبادئ الأولية على والده ، ثم رحل في طلب العلم وانتقل بين الجزيرة وهكاري ودياربكر والعمادية ، وفي الثانية والثلاثين من عمره نال إجازته العلمية من الملاطه في قرية ( سترباس ) التابعة لدیاربکر ، بعد ذلك أصبح إماماً ومدرساً في قرية ( سربا ) التابعة الدياربكر هي الأخرى ،

انتقل فيما بعد إلى حسنكيفا ( حصن کیفا ) وأصبح فيها مدرساً يجيز التلاميذ ، وبعد مدة رجع إلى الجزيرة وبقي فيها يؤم الناس ويجيز طلبة العلوم الدينية حتى وافته المنية هناك وهو في الخامسة والسبعين من عمره . والظاهر - على ما يروی شفوياً كذلك- أنه لم يتزوج مطلقة -حتى  وفاته . والمشهور المتواتر على ألسنة أهل بلدته أنه بعد حصوله على الإجازة العلمية التي تؤهله للإمامة والتدريس ، واشتهاره کعالم دیني ، جلس في المدرسة الحمراء التي تعد من أشهر مدارس الجزيرة الدينية ، يعظ الناس ويدرس التلاميذ ويجيزهم حتى وافته المنية ، ووجود قبره اليوم في قبو بتلك المدرسة يؤكد هذا الرأي ويسانده .

 له ديوان شعر شهیر بالكردية ، أشار في إحدى قصائده إلى تاريخ وضعه حيث يقول ما ترجمته : " لو نظرنا - أو سرنا - حينا إلى القرون والأزمان ، وفتحنا لأنفسنا فأ ونظرنا في حروفه ، حينئذ لن نلمح من حروف الفأل إلا ألفين اثنين كما في كلمة ( فالان - وهي جمع فأل بالكردية ) ،  على شكل أرقام تحمل الدلالة على بدء السنين التي نخطو إليها ، واعلمي أنك أنت مرادنا من بين الحسان الرشيقات القدود كأشجار العرعر " .

وبقراءة أبجدية في حساب الشطرين الثاني والثالث نجد أن الشاعر يشير بالألفين الموجودين في كلمة ( فالان ) إلى اليوم الأول من الشهر الأول ، إذ أن حساب الألف هو ( 1 ) أما تحديد السنة فيؤخذ من حساب هذه الكلمات : ( شكل - 350 ، رقم - 340  ، سرسال - 351 ) والمجموع يساوي 1041 . أي أنه نظم آخر قصيدة له في أصل ديوانه في الأول من شهر المحرم من سنة 1041 هجرية المصادف للتاسع والعشرين من شهر تموز من سنة 1631 م ، وكان عمره يومئذ ستة وستين سنة ، ومعنى هذا أنه عاش تسع سنين بعد وضعه لأصل دیوانه ، وهذا يفسر لنا وجود بعض القصائد في بعض نسخ دیوانه الخطية دون بعض . والذي يقرأ ديوان الجزري بتمعن لا يخفى عليه ما أودعه الله في الشاعر من حس مرهف وعاطفة ملتهبة لا يخبو لها ضرام ، الشيء الذي يعد واحدة من أبرز عوامل النبوغ لدى الشاعر المجيد ، ودليلا على أنه أحب أول مرة حبة شغل فكره وعقله ثم تدفق في قلبه تدفق الدم إلى أن أضحي من الأصول الراسخة التي يقوم عليها بنیان شعره الذي كان ولا يزال سلوة أهل العشق .

إن المطلع على أبيات عشق الجزري يستنبط من روائع . حكمه وبلاغته -ولأول وهلة - أن هناك ثمة نفحة من نفحات ( المرأة ) تكمن وراء قلبه تصنع له بيانه المبدع واطلاعه العجيب على خفايا الحب ومسالكه المبهمة ،
لكننا وللأسف لازلنا نجهل تلك الغادة التي سكنت قلب الجزري وجعلت منه حقيقة - شيخ مدرسة العشق في الأدب الكردي ، ومما زادنا جهلة بهذه المسألة كون الجزري من القائلين بوجوب الحفاظ على السر ، كيف لا وهو القائل :

حل له القتل بشرع الهوى ☆☆☆من كشف السر وبالسر باح

فضلا عن أنه كان صوفي المشرب من القائلين بوحدة الوجود ، ومن الذين يرون أن الله جل جلاله - يتجلى لهم في صورة أنثى تعاطيهم صهباء جمالها لتدلهم على الحقيقة التي يتلهفون وراءها !! ونحن وإن كنا نفقد الأخبار التي تعيننا على تتبع عشق الجزري خطوة خطوة ، إلا أن مواضع غير قليلة من دیوانه ترینا بوضوح تام أثر هذا الحب في شعره وحياته ، وما أصابه في شبابه و کهولته من جراء هذا الحب وذكراه ، ولكننا لا نرى في ذلك الكفاية التي تكشف لنا عن تدرج هذا الحب ، كيف بدأ ؟ وإلى أين انتهى ؟ ومتى دفع بروحه كي تتجرد لتلك الاحساسات التصوفية التي يتحدث عنها أهل التصوف ؟ ولما كان الجزري الشاعر واحدة من أبرز رموز التصوف في الأدب الكردي فقد أحيط دیوانه - المطبوع حتى الآن أكثر من عشر مرات والمترجم إلى عدة لغات شرقية وغربية - بهالة من القدسية الدينية ، وأعتبر من أسمى آثار الأدب الصوفي في الكردية ، وكان أئمة المساجد وطلاب
العلوم الدينية يكثرون من استنساخ هذا الديوان واقتنائه ، وكانوا ينشدون قصائده في حلقاتهم المسجدية بألحان مؤثرة ، وكان بعضهم يصر على اصطحاب هذا الديوان معه أينما حل وارتحل تيمنا ببرکاته ! ولما كانت لغة الجزري الشعرية حافلة بالمعاني البليغة والعبارات الفصيحة ، ومعالجته لأغراض العشق فريدة سامية ، فقد استشكلت مقاصده ومراميه حتى على بعض الخواص ، ناهيك عن العوام ، مما حدا ببعض العارفين بمصطلحات أهل الصنعة أن يخوضوا عباب بحره اللجي ، قاصدين الكشف عن درر الجزري الكامنة في الأصداف .

وإلى جانب الغزل تناول في شعره مواضيع عديدة من المديح و الحكمة ، إذ كان يمزج بين الغزل الإلهي و الحكمة ، و أياً كانت مواضيع شعره فقد جاءت قصائده رائعة متناسقة قوية غنية بالصور البيانية دقيقة المعنى ذات موسيقى متنوعة تلائم موضوع القصيدة ، كما كان موفقاً في اختيار تعابيره وصوره البيانية ، و كذلك في حسن اختيار القافية ، و بذلك استطاع أن يسمو بالشعر الكوردي إلى مستوى فني رفيع ، ليضعه و باقتدار في مصاف روائع الأدب العالمي .

 تحت عنوان (الفكر القومي في شعر الشاعر الكوردي الكلاسيكي  ملا احمد جزيري) استشهد الكاتب خالد جميل في ندوتهِ في اتحاد أدباء دهوك   بابيات للشاعر الجزيري اذ كان يستخدم الرمز في التعبير عن مشاعره القومية مستخدما كلمة كوردستان والى توسيع كوردستان  كما اشار الكاتب خالد جميل الى عدد من ابيات شعر الشاعر الجزيري عندما كان يستخدم كلمة نوروز العيد القومي للشعب الكوردي مفتخرا بنوروز الكورد.

للشاعر احمد الجزري ديوان شعر بالكرمنجية طبع في برلين عام 1904 على يد المستشرق الألماني هرهرتمان بعنوان ديوان الشيخ أحمد الكردي وتوجد نسخة من ديوان الملا احمد في مكتبة الاب انسطاس الكرملي في بغداد وقد شرحه بالعربية الملا احمد الزفنكي مفتي مدينة قامشلو يحوي على 121 قصيدة يغلب عليها الطابع العشق  الالهي والغزلي المادي البحت.
⚋⚋⚋⚋⚋⚋⚋⚋⚋⚋⚋⚋⚋⚋⚋⚋⚋
المراجع
-معجم أعلام الكرد _د.محمد على الصويريكي..
-جزء من مقالة على موقع جريدة التآخي بعنوان الفكر القومي في شعر الشاعر أحمد جزري .
-معجم الشعراء الكرد
_اعداد-حميد عبدالمجيد السلفي
تحسين ابراهيم الدوسكي
زاغروس حسن _28.5.2020-

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نادي الشباب الكوردي في عامودا ١٩٣٨م

نادي الشباب الكوردي في عامودا ١٩٣٨م  تأسس النادي بتشجيع من الشاعر جكرخوين في بلدة عامودا في ۱۹۳۸ م بعد سنة من انتفاضة عامودا ١٩٣٧ م(طوشة عامودا ) ، کنادي رياضي وثقافي معا ، وتسلم محمد علي شويش المسؤولية الإدارية للنادي والذي كان صارماً في مسألة التعليم حتى أنه كان يضرب الكشافة ضربا مبرحا على الرغم من كبر سنهم ، وأصبح جكرخوين المسؤول العلمي والتدريسي للنادي ، من المفيد الإشارة إلى أن النادي استطاع أن يترك بصماته على الحياة السياسية لأبناء مدينة عامودا بشكل مؤثر ، من خلال تشكيله الفريق كشافة تألف من نحو ۳۰۰ کشاف كانوا يقومون بإحياء المناسبات القومية الكوردية بشكل بهي ولائق ، بعد أن تعلموا في مقر النادي الذي كان متكونا من ساحة كبيرة لإحدى بنایات عامودا ، في وصف جميل ينم عن تطور فکري ملحوظ تجاه التميز القومي وصف الشاعر جكرخوين منظر عدد من طلبة النادي أثناء قيامهم بإحياء إحدى المناسبات الكوردية ، ضمن أعمال الطلاب الدراسية بما يلي ( إنها المرة الأولى التي يسير فيها الكورد في إحدى مدن كوردستان ، منشدين الأناشيد الكوردية ، ويزين أكتافهم علم كوردستان ) . لقد كان تأسيس النادي عملا مهما أواخ...

لرستان ‏الصغرى ‏

لرستان الصغرى  كانت الحياة القبلية سائدة في شمال لرستان وشمال الغربي ، حتی اواسط القرن السادس الهجري ، وكانت كل قبيلة ، وكل اسرة ، تستقل بشوءنها الداخلية . وفي عهد استقلال الأمراء كانت اللر الصغرى تتلف من القبائل التالية : کرسکی ، لینکی ، روز بهائي ، ساکي ، شارلوي ، داود عياني ، ومحمد کماری . وينسب أمراء لرستان الصغرى الى قبيلة جنگروی من شعبة شلبورى ، وقد ورد في « تاریخ گزیده » ان قبائل داودي ،وعباسي ، محمد کو ماري ، کردهي ، جنکردلي « جنکردي » ، هي " لقبائل الحقيقية التي تولت لرستان الصغرى ، و كانت الامارة فيهم ، وهم من فرع السلفرين » . ويبدو أن هناك التباسا بين سلفري وشلبوري آنفة الذكر وهناك قبائل اخرى تتفرع عن القبائل الرئيسية مثل :  ۔ کارانه ، او کارندي ، دزجنکری ( جنكردي ) ، فضلي ، ستوندي ، ألاني ، کاهکامي ، رخوار کي ( رجوار کي ) دری ، براوند ، ما نكره ( ما بكي ) ، داري ، انارکي ، ابو العباسي ، علي ماماسي ، او علي ماما بير کجایی ، سلكي ( ساسکی خور کی بندوئي ( ندر وی ) . وأما قبائل ساهي ، ارسان ، اركي ، سهي « بيهي » فأنها على الرغم من انها تتكلم اللرية ، الا انها ليست من ال...