حضارة عيلام
📚بلاد العيلاميين
لقد سمى السومريون الإقليم الكائن إلى شرق وادي الرافدين الأسفل بمصطلح « نم ، ( NIM ) الذي يعني النجد المرتفع ، وسماه الأكديون الساميون في العراق باسم إيلامنوه . وفي التوراة يبتدىء الاسم بحرف ( ع ) أي عيلام »
أما العيلاميون فقد سموا أنفسهم باسم يختلف عن ذلك حيث جاء في المصادر العيلامية المسمارية بهيئة حاروتي » أو حافرتي ، ( Ha - Pir - ti ) ويجوز قراءة العلامة الوسطى بلفظ ( TAM ) ويكون الاسم المحتمل خاتمتي ( Ha - tam - ti ) ) وسمَت النصوص الفارسية المتأخرة إقليم عيلام باسم ( Uvaija ).
ولما أخذها ملوك الفرس الإخمينيين من العيلاميين صار من جملة ألقابهم الرسمية ا لملك إنشان » . . وتُعد عيلام ، جزءاً من جنوبي وادي الرافدين من ناحية الخصائص الجغرافية ومن الناحية الثقافية حيث التشابه الحضاري الكبير والاتصالات الثقافية منذ عصور ما قبل التاريخ وهي في الواقع لا تبعد عن بلاد سومر أكثر من ( 100 ) ميل ، وكثيراً ما صارت ولاية تابعة للدول التي قامت في وادي الرافدين كما أنها غزت العراق أكثر من مرة في عهود ضعف الدول القائمة في العراق .
كما أن بلاد عيلام كانت واسطة مهمة للاتصال الثقافي بين حضارة وادي الرافدين وبين سائر جهات إيران من جهة وبين الهند والتركستان وحتى الصين . لقد كشف البحث الحديث عن وجود أطوار ما قبل التاريخ في بلاد عيلام وهي ممثلة في جملة مواضع ، ولا سيما في مدينة السوس نفسها حيث وجدت أدوار العصر الحجري المعدني ذي الفخار الملون الجميل ، ووجد ما يضاهي طور العبيد في العراق بما عرف بالدور الأول من سوسة .
📚 الأصول العيلامية
استوطن بلاد عيلام أقوام لا تعرف عن أصلها أشياء مؤكدة ، فهي ليست من الأقوام الإيرانية التي هاجرت إلى إيران في بداية الألف ق . م .
فيكون عهد العيلاميين قد سبق العهد الإيراني أو الآري في بلاد إيران ولعل أصل العيلاميين من المنطقة الجبلية التي تتاخم سهول عيلام في الشمال والشرق ، ومن الباحثين من يسمي سكان إيران قبل مجيء الإيرانيين باسم القزوينيين نسبة إلى إقليم بحر قزوين ومنهم الكوتيون واللولوبو والكشيون ، وإن اسم هؤلاء الكشيين مثل اشتقاق كلمة قزوين كما أن من الباحثين من يعد اللغة الكشية لهجة من اللغة العيلامية ، أما هذه اللغة فلا نعلم صلتها بوجه التأكيد بعوائل اللغات البشرية المعروفة ولعلها من جملة اللغات المحكية في جنوب القوقاز ، وهي شبيهة بعائلة اللغات القوقازية .
ظلت اللغة العيلامية في الاستعمال زهاء أربعة آلاف عام ، وأقدم ما دون بها يرجع في عهده إلى بداية الألف الثالث ق . م . ، ولعل مفردات وعناصر منها قد دخلت في الاستعمال في وادي الرافدين منذ الألف الرابع . ومن الطريف ذكره بهذا الصدد أن الجغرافي العربي الإصطخري ( منتصف القرن العاشر للميلاد ) يروي أن أهل خوزستان كانوا يتكلمون في زمنه باللسان الخوزي إلى جانب الفارسية ، ومصطلح اللغة الخوزية استعمل أيضاً في زمن الفرس الإخمينيين لإطلاقه على اللغة العيلامية .
وقد حلت رموز اللغة العيلامية من النقوش الإخمينية في برسيبوليس وبهستون ، وهي النقوش المدونة بثلاث لغات ( البابلية والعيلامية والفارسية الإخمينية ) ، والتي كانت مفتاحاً في حل رموز الخط المسماري واللغة البابلية أيضاً .
📚موجز تاريخ بلاد عيلام :
بدأت عيلام منذ بداية الألف الثالث ق . م . تزودنا بشيء من المصادر عن تأريخها ، وكثرت هذه المصادر في العصور التاريخية المتأخرة ، أما في العصور القديمة فمصادرنا المهمة مأخوذة من الكتابات التاريخية في حضارة وادي الرافدين ، فندرس من هذه المصادر قيام إمارات وسلالات حكمت في عيلام في منتصف الألف الثالث ق . م . ، وامتد سلطانها إلى بعض الأقاليم الجبلية المجاورة وإلى منطقة الخليج وإقليم بوشير . وقد عُثر هنا على كتابة باللغة السومرية يرجح أنها تعود إلى أحد هؤلاء الأمراء . ولعل أقدم إشارة إلى بلاد العيلاميين هي التي جاءتنا من سلالة لجش الأولى من كتابات حاكمها داياناتم ، الذي غزا عيلام حيث تبجج في تلقيب نفسه بأنه غازي عيلام ، وتكررت الإشارات إلى فتح هذا الأمير لعيلام » ، وكذلك من الأمراء الآخرين من السلالة نفسها ، وكلها تشير إلى غزو عيلام ، ولكنها لا تذكر لنا شيئاً عن غلبة العيلاميين لبلاد سومر وهو أمر مرجح ولكن لا ينتظر أن تذكرها أخبار هؤلاء الأمراء ، إلا في إشارة واحدة من أواخر عصر فجر السلالات تسمى العيلاميين « ناهبي لجش »
وتعرضت بلاد عبلام إلى ضغط شديد بقيام السلالة الأكدية القوية في العراق حيث غزاها سرجون الأكدي وأحرز نصراً كاسحاً وضم بلاد السوس إلى أمبراطوريته . وظلت عيلام خاضعة لسيطرة الأكديين في عهد مانشتوسوه بن سرجون ولكنها ثارت في عهد « نرام - سين » فأخضعها هذا العاهل القوي بعنف وقسوة ، وعين من قبله في مدينة السوس حاكماً شيّد أبنية مهمة فيها .
بلغ من نفوذ حضارة وادي الرافدين في عيلام في العهد الأكدي مبلغاً كبيراً بحيث إن اللغة الأكدية حلت محل اللغة العيلامية في بلاد عيلام ، وسمي كثير من السكان أنفسهم بأسماء سامية(( ربما هذا هو السبب الذي يدفع البعض إلى اعتبار العيلاميين من الساميين )) . وكان هذا أعظم خطر تعرضت له عيلام في ثقافتها وقوميتها . ومهما كان الحال فيبدو أن العيلاميين تظاهروا بالركون إلى سياسة الخضوع والطاعة فأفادوا من ذلك إذ حصلوا على رضا فاتحيهم وسلموا من التدمير والتخريب حتى أن نرام - سين » لم يخش من أن يعيّن على بلاد عيلام والياً من العيلاميين أنفسهم خلفاً للحاكم الأكدي الذي عيّنه من قبل . فأستغل هذا الحاكم العيلامي ( واسمه بوزر - أنشوشناك ) ثقة الأكديين وأخذ يبذر بذور الحركة القومية العيلامية حتى صارت النصوص تكتب في عهده باللغة العيلامية والخط العيلامي القديم إلى جانب اللغة الأكدية ، كما اشتهر بأعماله العمرانية البنائية في مدينة السوس ، واستطاع أن يفتح جملة أقاليم إلى جهة الشمال واتصل بإقليم الكوتيين ( في المنطقة الجبلية شرق الزاب الأسفل ) متظاهراً بحماية ولاية عيلام التابعة إلى الدولة الأكدية .
لما مات انرام - سين » ، أقوى ملوك السلالة الأكدية ، أعلن هذا الوالي العيلامي استقلاله عن السلطة الأكدية ، ولم يكتف بذلك بل إنه غزا بلاد الأكديين نفسها في عهد الضعف الذي حل بالسلالة الأكدية ، ولعله وصل إلى العاصمة آكد » . ولكن لم يدم هذا الازدهار السياسي زمناً طويلاً في عيلام ، إذ إن ضعف السلالة الأكدية من بعد نرام - سين » الذي استغله العيلاميون في انسلاخهم من السلطة الأكدية قد عرض العيلاميين إلى خطر آخر جاء من الأقوام الجبلية المجاورة للعراق ، حيث هجم عليه بعض هؤلاء الأقوام ، وبوجه خاص القوم الذين ورد ذكرهم في نصوص العراق القديم باسم اللولوبو ، ثم أعقبهم الكوتيون ((هؤلاء الأقوام هم ايضا من الأقوام التي تشكل اسلاف الكورد الحاليين بحسب ما يذكر العلامة محمد امين ذكي في كتاب خلاصة تاريخ الكرد وكوردستان )) . وكان اللولوبو ، يحتلون إقليماً يمر منه الطريق المهم القديم المؤدي من بغداد إلى كرمنشاه و همدان وطهران . وقد سبق لسرجون الأكدي وحفيده نرام - سين أن قاما بغزو هذا الإقليم . وقد ضربهم نرام - سين » بوجه خاص حيث حطم اتحاداً مكوناً من اللولوبو والكوتيين على أثر معركة كبرى خلد انتصاره فيها في نصب عظيم نقشه في منطقة شهرزور .
كان هؤلاء الجبليون يسيطرون على الطرق التجارية المهمة الواصلة بين سهل وادي الرافدين وبين إيران . ومع أنهم كانوا أعداء العراق القديم إلا أنهم كانوا في أزمان السلم واسطة مهمة للتجارة . وقد وجد لأحد ملوك اللولوبو في جبال اسري بول زوهاب ، في هورين شيخان منحوتة بالحجر تضاهي منحوتات نرام - سين ، وفيها كتابة مشوهة يظن أن فيها اسم الملك أو الرئيس « تار - لوني ) ، كما خلفوا نفشاً آخر في الجبل المؤدي إلى القرية المسماة الآن " سري - بول"
حيث اسم الملك آنو - بانينبني أمير اللولوبو مع صورته وصورة الإلهة عشتار ) ويبدو أن الكوتيين الذين قضوا على السلالة الأكدية في العراق قد فرضوا سيطرتهم أيضاً على بلاد عيلام . وبعد طرد الكوتيين من العراق وقيام سلالة أور الثالثة العظيمة وإنشائها أمبراطورية كبرى دخلت بلاد عيلام ضمن هذه الأمبراطورية ، وظلت كذلك أكثر من قرن واحد إلى سقوط هذه السلالة .
حيث نشأت في عيلام سلالة وطنية جديدة ، جاءتنا بعض أخبار ملوكها وجملة وثائق تجارية مدوّنة باللغة الأكدية ، وتظهر فيها أسماء بعض الآلهة العيلامية ، أشهرها الإلهة شالا ، وزوجها « آن شوشناك ، كما شاعت عبادة الآلهة البابلية .
فقد العيلاميون استقلالهم ودخلت عيلام ضمن أمبراطورية حمورابي ، ولكن استعادت بلاد عيلام استقلالها في نهاية سلالة بابل الأولى وقامت فيها سلالة حاكمة مهمة في العهد الكشي في بلاد بابل ، هذه السلالة التي قضت على السلالة الكيشية في بلاد بابل.
ولكن لم يدم هذا العهد زمناً طويلاً إذ حل التدهور في عيلام في بداية الألف الأول ق.م . ، وقد صادف ذلك قيام ملوك أقوياء في بلاد بابل أشهرهم نبوخذنصر » الأول الذي حطم جموع العيلاميين واستولى على عاصمتهم السوس ، وقد أعاد تمثال مردوخ الذي أخذه العيلاميون سابقاً .
يحدد لنا هذا العهد فقدان بلاد عيلام لاستقلالها زهاء ثلاثة قرون ، وصادف ذلك تعاظم الآشوريين وسيطرتهم على معظم الشرق الأدنى ، وبضمن ذلك بلاد عيلام ، وقد قاسي العيلاميون كثيراً من ضربات الآشوريين الشديدة ، وكانت آخر الضربات القاصمة هي التي وجهها الملك الآشوري « آشور بانيبال ، على بلاد عيلام حيث دمرها ودمر العاصمة وأزال الدولة العيلامية من الوجود ودخلت بلاد عيلام من بعد ذلك تحت سيطرة السلالات المادية ومن بعدهم الاخمينيين.
📚 حروب عيلام مع اشور.
كانت عيلام دوماً عدواً لآشور في مراحلها التاريخية . فقد ساندت عيلام في عام ۷۲۱ ملك الخالديين ماردوخ الذي نجح في تدمير قوة الآشوريين عند دره و السيطرة على بابل . وحوالي عام ۷۰۰ ق . م إختبا في عيلام ماردوخ الذي طاردوه الآشوريون من بابل . وهنا منح الملك الخالدي نفسه إقليم من جزر الخليج الفارسي كهدية من ملك عيلام .
كان يحكم عيلام خالدوش - إينشبشوناك الثاني الذي حارب بنجاح الآشوريين ، إنتصر على نيبور و أسر آشورنادين شوم إبن سنحاريب .
خلف خالدوش - إينشبشوناك الثاني على عرش عيلام كوتور ناخونت الذي واصل الحرب مع آشور . في عام ٦۹۳ ق . م احبطت بشكل كامل حملة سنحاريب على عيلام . في هذا الوقت مات ملك عيلام كوتور - ناخونت وخلفه أخيه الأصغر أومان - منان الذي تمكن وبالتحالف مع الخالديين من تدمير الآشوريين في معركة عند خالول ( على الدجلة ) على مقربة من بابل . قاد سنحاريب في عام 689 ق . م حملة على عيلام ومن ثم إستولي على بابل بعد أن دمرها بشكل كامل .
بعد وفاة أورتاك ، لم ينتقل عرش عيلام لإبنه بل لشقيقه تيمان . وأثناء تمرد ملكي قتل العديد من أقرباء السلالة الملكية واختفى عدد من الأمراء أولاد أخوته المقتولين في آشور . وقد رفض الملك الآشوري آشور بانيبال تسليم الهاربين إلى ملك عيلام . وأكثر من هذا ، فقد قام آشور بانيبال ( 668_627 ق. م ) وعلى خلاف كل القوانين الدولية المعمولة بها آنذاك باعتقال مبعوثي عيلام في نينوى ، أما هو نفسه فقد قاد حملة بشكل خفي .
بلغت القوات الآشورية من جهة الجنوب الشرقي مدينة در التي كانت منذ مئة عام قاعدة لحرب عيلام ضد آشور . إلتقت القوتان في معركة عند موقع توليز أمام سوزام . وفي معركة دموية قتل ملك عيلام تيمان مع إبنه إيتو نوم . إعتلى عرش عيلام الإبن البكر للملك السابق أورتاك - خوم بانيكاش . وخلال السنوات الخمسة التالية إقترب خوم بانيكاش مع ملك بابل شاماش - شاموكين . ومؤامرة من الملك الآشوري آشوربانيبال رفع خوم بانيكاش ضحية على يد إبن أخيه تاماريت الذي قاد إنتفاضة مستولياً بعد ذلك على عرش ملك عيلام . وحوالي عام 649 ق.م أطيح بتاماريت من قبل إيندابكاش وفر إلى آشور .
في عام 648 ق . م إستولي آشور بانيبال على بابل وبدأ بالهجوم على عيلام التي منحت حق اللجوء للمحاربين الخالديين . وفي عام 648 ق . م شهدت عيلام إنتفاضة قتل فيها الملك
إيندابيكاش ونصب على العرش أرمانيكاش الذي إتخذ قراراً صارماً للمقاومة الآشوريين ، لكنه خسر الحرب في معركة عند بيت - إمب .
اعتلى عرش عيلام تاماريت العائد من نينوى ، والذي أطيح به ايضاً في الإنتفاضة التالية وأعاد أرمانيكاش العرش لنفسه . قاد آشور بانيبال في عام 643 ق.م حملة جديدة على عيلام ونجح في إحتلال مدينة هامان ومنطقة راشي غرب البلاد . ترك الملك أرمانيكاش مقره في ماداكات و إختفى في قلعة دور أونداش الجبلية ، والطريق إليها كان لابد للقوات الآشورية إجتياز نهر إيديد . وحوالي عام 640 ق . م إستولى بانه على السلطة في عيلام ، وقد سلم أرمانيكاش المطاح به نفسه إلى الآشوريين ، حيث تم إرساله إلى نينوى . وبعد أن تمكن الملك الآشوري من إخضاع عيلام ، فتح الطريق أمامه إلى جنوب إيران إلى منطقة بارسوا .
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
#المصادر
_مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة_ج2 .
تأليف طه باقر _ بيت الورّاق للطباعة والنشر. بغداد .
_اريا القديمة وكوردستان الابدية .
تأليف صلوات كولياموف_ترجمة د.اسماعيل حصاف
مؤسسة بحوث للنشر موكرياني.
زاغروس حسن
تعليقات
إرسال تعليق