التخطي إلى المحتوى الرئيسي

العلاقات الكردية العثمانية

▪️اختلفت السياسة العثمانية تجاه كردستان عن سياستها تجاه معظم المناطق والأقاليم العثمانية الأخرى الأسباب عديدة تأتي في مقدمتها أنه كانت السيطرة العثمانية على كردستان نتيجة انتفاضة قامت بها الإمارات الكردية على الحكم الصفوي في كردستان وتمكنت من طردها منها، وقد طلبت تلك الإمارات الدعم من الدولة
العثمانية لتقديم العون لها مقابل انضمامهم للحكم العثماني.
تأتي أولى المحاولات العثمانية لتنظيم علاقاتها مع الإمارات الكردية إلى حقبة ما بعد معركة جالديران أب ١٥١٤ مباشرة، إذ كلف السلطان سليم الأول الملا إدريس البدليسي بإيجاد نظام إداري في كردستان بسبب خبرته بأحوال المنطقة ومعرفته بأمرائها. 
ففي فرمان موجه إليه في أواسط شهر شوال ۹۲۱هـ / تشرين الثاني ١٥١٥م ذكر السلطان لملا إدريس : إنك على دراية بأحوال الأمراء الذين أتوا من دياربكر وتعرف بأحوالهم وألقابهم ومقادير ما يخصص لهم من السناجق في تلك الولاية ... ينبغي أن تكتبوا البراءات السلطانية عن أحوال السناجق التي خصصت لكل أمير وكيفية توجيهها، مع تسجيل نسخ من تلك البراءات مع تفصيلها ومقدار إقطاعاتهم في دفتر خاص وإرساله إلى سدتي السعيدة ليكون كل شيء مفهوماً ومعلوماً، مع مذكرة تفصيلية عن السناجق التي وجهت إلى الأمراء وكيفية توجيهها ووجه كتابة ألقابهم، ويجب توخي الدقة في تحديد أماكن سناجقهم لكي لا يؤدي هذا التوزيع والتخصيص إلى تزلزل وتخلخل ما بينهم من أسس الارتباط.
▪️أسفرت المفاوضات غير المباشرة بين أمراء الكرد والسلطان العثماني عن إيجاد صيغة اتفاق بين الطرفين ساعدت بموجبها الدولة العثمانية الكرد في تطهير مناطقهم من السيطرة الصفوية مقابل قبولهم بالسيادة العثمانية. ورغم أن بعض الباحثين الكرد المعاصرين أشاروا إلى حصول اتفاق بين السلطان العثماني وادريس البدليسي إلا انه لم يتم العثور على نص هذا الاتفاق لحد الآن، وأن أول من أشار إليه هو المؤرخ (محمد أمين زكي الذي أورد بنود هذا الاتفاق في كتابه المعنون بـ (خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من دون أن يشير إلى المصدر الذي استقى منه معلوماته، ويرجح أنه توصل إلى نقاط هذه الاتفاقية من خلال دراسته لطبيعة العلاقات الإدارية والسياسية المتبادلة بين الإمارات الكردية والسلطات العثمانية، والبنود التي أوردها هي:
الحفاظ على حرية واستقلال الإمارات الكردية.
الاعتراف العثماني بالحق الوراثي للأمراء الكرد في إماراتهم.
على الأمراء الكرد مساعدة الدولة العثمانية في حروبها.
تساعد الدولة العثمانية الإمارات الكردية في حال تعرضها إلى هجوم خارجي.
تدفع الإمارات الكردية الضرائب والرسوم للسلطات العثمانية.
▪️من جهة أخرى قاد السلطان سليمان القانوني حملته الأولى إلى الشرق في عام ١٥٣٤، تمكن من خلالها السيطرة على مدينة بغداد، ومقابل الدعم الكبير الذي قدمته الإمارات الكردية للحملة ونظراً الاستراتيجية موقع الإمارات الكردية التي تقع على حدود اعتى أعداء الدولة العثمانية، فقط أصدر السلطان احد أهم فرماناته المتعلقة بالنظام الإداري العثماني في كردستان، نظم فيها طبيعة العلاقات بين السلطات العثمانية والإمارات الكردية، إذ أشار في فرمانه إلى أن : الأمراء الكرد الذين أظهروا يد القوة والشجاعة في المعارك أو الذين قبلوا باسترحامنا وأعلنوا عن إخلاصهم للدولة العثمانية . 
كل واحد منهم سيحتفظ بالولايات والقلاع الواقعة تحت تصرفهم منذ قديم الأيام، وسترسل لهم، كل على حده، براءات تعترف فيها بأوطانهم وحكمهم، وبموجب هذه البراءات فان كل ما في أيديهم من الولايات والقلاع والمدن والقرى والمزارع وجميع محصولاتها تسجل باسمهم كتمليك واحسان وتنتقل منهم إلى أبنائهم... ولا يتعرضون إلى أي تدخل أو تعرض من الخارج... وعند وفاة الأمير ستتحول إمارته بكامل حدودها بموجب كتاب التمليك السلطاني الممنوح له إلى ابنه، واذا كان له أبناء متعددون فانهم سيتشاركون الأراضي والقلاع. واذا لم يتوصلوا إلى تسوية بينهم فانهم سيلتزمون بما يتفق عليه أمراء كردستان وتبقى أملاكهم تحت تصرفهم إلى أبد الدهر ، وإذا كان الأمير بلا وريث أو أقرباء فان حكم الإمارة لن يوجه إلى شخص خارج الإمارة ولا يمنح إلى أي شخص اجنبي، بل سيجتمع أمراء كردستان ويتفقون فيما بينهم وسيختارون أميراً أو أحد أبناء الأمراء الكفونين، وهم مخولون في اختيار أي شخص يختارونه ... وفي المقابل يشارك أمراء الكرد. في دياربكر وبغداد بالاتفاق مع جميع عساكرهم وعرباتهم العسكرية في اجتياح العدو ... ويجب أن يعتبروا أبنائي الذين يخرجون من طاعتي أعداء ولا يأتمروا بأمرهم مطلقاً، ولا ينضموا اليهم أبداً وأن يكونوا تابعين صادقين للخلفاء والسلاطين الذين يأتون من بعدي .
وبناء على هذا الفرمان بدأت الدولة باستحداث نظام إداري خاص بكردستان، إذ قسمت الولايات على عدد من السناجق إلا أن مستويات استقلال هذه السناجق ودرجة ارتباطها بالدولة اختلفت من سنجق إلى الآخر، إذ فرضت الدولة الحكم المباشر على بعض المدن الأساسية وعين عليها أمراء يخضعون للقوانين المركزية من الدولة مثل دياربكر، وان وأربيل وغيرها، أما سناجق يورتلق واوجاقلق فهي سناجق عثمانية ولكن الفرق هو أن الحكم فيها وراثي، ولا يخضع أمرائها للعزل والنصب، وعند وفاة الأمير ينتقل الحكم فيها إلى احد أبنائه، كما أنها خاضعة للتحرير ويطبق فيها النظام الإقطاعي العثماني، و أبرز الامثلة على ذلك هي إمارات موكس و شیروان و ستون و غيرها .
ولكن السناجق التي كانت تتمتع بأكبر قدر من الاستقلالية فكانت سناجق (حکومت)، والتي تشمل الإمارات الكردية الكبيرة وتغطى القسم الأكبر من أرض كردستان مثل إمارات بهدينان و سوران و بوتان و بدليس و هكاري وغيرها.
وقد عرفت الحكومات في القوانين العثمانية على النحو التالي :... هذه الحكومات وجهت إلى حكامها كتفويض وتمليك لقاء خدماتهم واطاعتهم للدولة العثمانية أثناء الفتح، وأنهم يتصرفون فيها بطريقة (تمليك)، حتى إن ممالكهم مفروزة القلم ومقطوعة القدم، ولا تسجل محاصيلها في أبواب الدفتر السلطاني، ولا وجود
للأمراء العثمانيين والجيش فيها وكلها ملك مخصوص لهم، وهؤلاء بموجب العهود والمواثيق القديمة لا يقبلون العزل والنصب، إلا أن جميعهم مطيعون لحضرة السلطان وأثناء الحملات يشاركون تحت راية الوالي الذي يتبعونه مع أبنائهم وعشائرهم وعساكرهم. ويمكن تلخيص حقوق الإمارات الكردية (حكومات) وواجبتها تجاه الدولة العثمانية في النقاط التالية:
إن الحكومات كانت تدار من قبل أمراء يتمتعون باستقلال تام في الأمور الإدارية والمالية. يحصل الأمراء على التوجيه من المركز للبقاء في سناجقهم.
الحكومات غير خاضعة للتحرير والمسح عليه لا توجد فيها الزعامات والتيمار وجميع إيراداتها تذهب إلى خزينة الأمير الذي يحكم السنجق.
لا تترابط فيها الجنود أو العساكر التابعة للمركز ولها جيشها الخاص.
لا يقبل أمرائها العزل والتنصيب، وعند وفاة الأمراء أو في حالة تقصيرهم من إداء واجباتهم تجاه الدولة تنتقل الحكم فيها إلى أبنائهم أو أقربائهم ولا تخرج عن نطاق العائلة الواحدة.
في حالة الحروب والحملات العسكرية يكونون تحت إمرة ولاة الولاية ويؤدون الخدمة تحت رايته.

▪️كردستان في المشاريع العثمانية المبكرة 
    نزار ايوب حسن /جامعة يوزنجو _مدينة وان .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نادي الشباب الكوردي في عامودا ١٩٣٨م

نادي الشباب الكوردي في عامودا ١٩٣٨م  تأسس النادي بتشجيع من الشاعر جكرخوين في بلدة عامودا في ۱۹۳۸ م بعد سنة من انتفاضة عامودا ١٩٣٧ م(طوشة عامودا ) ، کنادي رياضي وثقافي معا ، وتسلم محمد علي شويش المسؤولية الإدارية للنادي والذي كان صارماً في مسألة التعليم حتى أنه كان يضرب الكشافة ضربا مبرحا على الرغم من كبر سنهم ، وأصبح جكرخوين المسؤول العلمي والتدريسي للنادي ، من المفيد الإشارة إلى أن النادي استطاع أن يترك بصماته على الحياة السياسية لأبناء مدينة عامودا بشكل مؤثر ، من خلال تشكيله الفريق كشافة تألف من نحو ۳۰۰ کشاف كانوا يقومون بإحياء المناسبات القومية الكوردية بشكل بهي ولائق ، بعد أن تعلموا في مقر النادي الذي كان متكونا من ساحة كبيرة لإحدى بنایات عامودا ، في وصف جميل ينم عن تطور فکري ملحوظ تجاه التميز القومي وصف الشاعر جكرخوين منظر عدد من طلبة النادي أثناء قيامهم بإحياء إحدى المناسبات الكوردية ، ضمن أعمال الطلاب الدراسية بما يلي ( إنها المرة الأولى التي يسير فيها الكورد في إحدى مدن كوردستان ، منشدين الأناشيد الكوردية ، ويزين أكتافهم علم كوردستان ) . لقد كان تأسيس النادي عملا مهما أواخ...

لرستان ‏الصغرى ‏

لرستان الصغرى  كانت الحياة القبلية سائدة في شمال لرستان وشمال الغربي ، حتی اواسط القرن السادس الهجري ، وكانت كل قبيلة ، وكل اسرة ، تستقل بشوءنها الداخلية . وفي عهد استقلال الأمراء كانت اللر الصغرى تتلف من القبائل التالية : کرسکی ، لینکی ، روز بهائي ، ساکي ، شارلوي ، داود عياني ، ومحمد کماری . وينسب أمراء لرستان الصغرى الى قبيلة جنگروی من شعبة شلبورى ، وقد ورد في « تاریخ گزیده » ان قبائل داودي ،وعباسي ، محمد کو ماري ، کردهي ، جنکردلي « جنکردي » ، هي " لقبائل الحقيقية التي تولت لرستان الصغرى ، و كانت الامارة فيهم ، وهم من فرع السلفرين » . ويبدو أن هناك التباسا بين سلفري وشلبوري آنفة الذكر وهناك قبائل اخرى تتفرع عن القبائل الرئيسية مثل :  ۔ کارانه ، او کارندي ، دزجنکری ( جنكردي ) ، فضلي ، ستوندي ، ألاني ، کاهکامي ، رخوار کي ( رجوار کي ) دری ، براوند ، ما نكره ( ما بكي ) ، داري ، انارکي ، ابو العباسي ، علي ماماسي ، او علي ماما بير کجایی ، سلكي ( ساسکی خور کی بندوئي ( ندر وی ) . وأما قبائل ساهي ، ارسان ، اركي ، سهي « بيهي » فأنها على الرغم من انها تتكلم اللرية ، الا انها ليست من ال...

الشاعر الملا احمد الجزري

الشاعر -الملّا احمد الجزري  الملا أحمد بن الملا محمد البوطي الجزري ، من الشعراء الكرد المتصوفين والذين تركوا اثراً كبيراً في الأدب الكردي يعود  نسبه إلى جزيرة بوطان ( بوتان ) أو جزيرة ابن عمر -كما تعرف في المصادر الإسلامية - . الشاعر الأشهر في تاريخ الأدب الكردي ، وشيخ الأدباء الكرد على الإطلاق ، ينتمي إلى العشيرة البوهتية ( البختية ) الشهيرة التي تقطن في مدينة الجزيرة منذ مئات السنين ، وقد وجدنا في أكثر من نسخة خطية الديوانه قول الناسخ في نسبه : الجزري الأنصاري ، الشيء الذي يدفعنا إلى القول بأنه ينتمي إلى الأسرة الأنصارية المعروفة في الجزيرة ، والتي ينتسب إليها بعض مشاهير علماء الجزيرة قديما وحديثا . تخلص في شعره بلقبين اثنين هما : 1- ( ملا ) أو ( ملی ) - بإمالة الألف - ويعني بها في اصطلاح الكرد : العالم الديني الذي نال الإجازة العلمية من المشايخ ، ويصلح أن يؤم الناس في المساجد ويلقن طلاب العلوم الدينية دروس اللغة والشريعة . 2_ ( نیشاني ) نسبة إلى ( نیشان ) التي تعني الهدف والعلامة أو الشامة ، وكأنه عد نفسه هدفا لسهام المحبة ، أو أنه ينسب نفسه إلى شامة في خد الحبيب . ...